الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
328
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
3 3 - فلسفة الحج وأسراره العميقة ! إن لشعائر الحج - كما هو الحال بالنسبة للعبادات الأخرى - بركات كثيرة جدا في نفسية الفرد والمجتمع الإسلامي . ويمكنها - إن أجريت وفق أسلوب صحيح - أن تحدث في المجتمعات الإسلامية تبدلا جديدا كل عام . وتمتاز هذه المناسك بأربعة أبعاد مهمة : 1 - البعد الأخلاقي للحج : أهم جانب في فلسفة الحج التغير الأخلاقي نحو الأحسن الذي يحصل عند الناس ، فمراسم الإحرام تبعد الإنسان بشكل تام عن الأمور المادية والامتيازات الظاهرية والألبسة الفاخرة ، ومع تحريم الملذات ، وبناء الذات الذي يعتبر من واجبات المحرم يبتعد الفرد عن عالم المادة ، ويدخل إلى عالم النور والصفاء والتسامي الروحي . وترى الإنسان قد ارتاح فجأة من عب ء الامتيازات الموهومة ، والدرجات والرتب والنياشين . ثم تلي عملية الإحرام مراسم الحج الأخرى تباعا ، وفيها تتوطد علاقة الإنسان الروحية مع خالقه - لحظة بعد أخرى - وتتوثق . فينقطع عن ماضيه الأسود المملوء آثاما وذنوبا ، ويتصل بمستقبل واضح كله نور وصفاء . خاصة أن مراسم الحج تثير في الإنسان اهتماما كبيرا - في كل خطوة يخطوها - بإبراهيم ( عليه السلام ) محطم الأصنام ، وإسماعيل ( عليه السلام ) ذبيح الله . وأمه هاجر ( عليها السلام ) . ويتجلى للحجاج جهادهم وتضحياتهم ، إضافة إلى كون أرض مكة عامة ، والمسجد الحرام وبيت الكعبة ومحل الطواف حولها خاصة ، تذكر الحاج بالرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقادة الإسلام العظام وجهاد المسلمين في صدر الإسلام ، فيتعمق أثر هذه الثورة الأخلاقية بدرجة يشاهد فيها الحاج في كل زاوية من زوايا المسجد الحرام وأرض مكة المقدسة وجه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وعلي ( عليه السلام ) ، وسائر قادة المسلمين ، ويسمع قعقعة سيوفهم وصهيل خيولهم . أجل ، إن هذه الأمور كلها تتحد وتتضامن لتمهد لثورة أخلاقية في القلوب